محمد جمال الدين القاسمي
205
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
اللّه ، المتعرض لغضبه . وفهم هذه المعاني مما يسهل على المؤمن من أي طبقة كان ، ومن أهل أيّ لغة كان . ومن الممكن أن يتناول كلّ أحد من القرآن بقدر ما يجذب نفسه إلى الخير ، ويصرفها عن الشر ، فإنّ الله تعالى أنزله لهدايتنا ، وهو يعلم منّا كلّ أنواع الضعف الذي نحن عليه . وهناك مرتبة تعلو على هذه وهي من فروض الكفاية . للتفسير مراتب : أدناها أن يبين بالإجمال ما يشرب القلب عظمة الله تعالى وتنزيهه ، ويصرف النفس عن الشرّ ويجذبها إلى الخير ، وهذه هي التي قلنا إنها متيسرة لكلّ أحد وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ * [ القمر : 17 ] وأما المرتبة العليا فإنها لا تتم إلا بأمور . أحدها : فهم حقائق الألفاظ المفردة التي أودعها القرآن ، بحيث يحقق المفسر ذلك من استعمالات أهل اللغة ، غير مكتف بقول فلان ، وفهم فلان ، فإن كثيرا من الألفاظ كانت تستعمل في زمن التنزيل لمعان ، ثم غلبت على غيرها بعد ذلك بزمن قريب أو بعيد ، من ذلك لفظ التأويل . اشتهر بمعنى التفسير مطلقا أو على وجه مخصوص . ولكنه جاء في القرآن بمعان أخرى ، كقوله تعالى : هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ ، يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ [ الأعراف : 53 ] فما هذا التأويل ؟ يجب على من يريد الفهم الصحيح أن يتبع الاصطلاحات التي حدثت في الملة ليفرق بينها وبين ما ورد في الكتاب . فكثيرا ما يفسر المفسرون كلمات القرآن بالاصطلاحات التي حدثت في الملة بعد القرون الثلاثة الأولى . فعلى المدقق أن يفسر القرآن بحسب المعاني التي كانت مستعملة في عصر نزوله . والأحسن أن يفهم اللفظ من القرآن نفسه . بأن يجمع ما تكرر في مواضع منه ، وينظر فيه . فربما استعمل بمعان مختلفة . كلفظ « الهداية » - سيأتي تفسيره في الفاتحة - وغيره ، ويحقق كيف يتفق معناه مع جملة معنى الآية ، فيعرف المعنى المطلوب من بين معانيه ، وقد قالوا : إنّ القرآن يفسّر بعضه ببعض . وإن أفضل قرينة تقوم على حقيقة معنى اللفظ : موافقته لما سبق له من القول ، واتفاقه مع جملة المعنى ، وائتلافه مع القصد الذي جاء له الكتاب بجملته . ثانيها : الأساليب : فينبغي أن يكون عنده من علمها ما يفهم به هذه الأساليب الرفيعة ، وذلك يحصل بممارسة الكلام البليغ ومزاولته ، مع التفطن لنكته ومحاسنه